<a "في الزرقة البعيدة، تتلألأ النجوم، خضراء، صفراء، بيضاء قرنفلية، وأكثر إشراقاً مما تظهر عليه بموطني، وحتى بسماء باريس". تلك الكلمات التي كتبها فان جوخ لم تكن سوى وصف لما يشاهده من خلف زجاج نافذة غرفته بمصحة سان ريمي، بمستشفى الأمراض العقلية كان المرضى مثل فان جوخ يستمتعون بخصوصية أكبر من أمثالهم من المرضى بأجنحة المستشفيات العامة، فقد كان له غرفته الخاصة، بالإضافة إلى غرفة أخرى للتصوير بها. وُلد فينسينت فان جوخ بقرية جروت تسوندرت بجنوب هولندا في 30 مارس/آذار 1853، حيث كان الابن الأكبر لوالده الذي كان يعمل كاهناً محلياً وكان له من الإخوة خمسة، أبرزهم تيو الذي أصبح صديقاً له مدى الحياة. بدأ حياته كبائع أعمال ولوحات فنية بشركة العمّ سنت وأبدى نجاحاً نوعاً ما في بداياته، وبعد مرور أربعة أعوام ونظراً لنجاحه، قررت الشركة نقله إلى فرع لندن، وكان فان جوخ متحمساً للعيش بلندن، لما فيها من قاعات عرض ومتنزهات ومتاحف، لكن ما أزعجه بتلك المدينة حالة الفقر الشديد الذي كان يعم تلك الفترة. ولسوء الحظ وقع في غرام سيدة تدعى "أوجيني لويز"، ولكنها لم تبادله نفس الشعور، وهكذا تحت تأثير رفض مشاعره وإحساسه بالوحدة في بلد غريب، عاد فان جوخ إلى ممارسة الشعائر الدينية، وبدأ تدريجياً أن يتحرر من سحر عالم تجارة الفن. وفي عام 1875 نُقل للعمل بمكتب الشركة في باريس، ولكن موظفيه وجدوا العمل معه غاية في الصعوبة، وفي العام التالي عندما بلغ فان جوخ الثالثة والعشرين من عمره فُصل من عمله ثم عاد إلى لندن؛ حيث بدأ العمل كمساعد مدرس للغة الفرنسية والألمانية والحساب. وفي عام 1877 عاد إلى هولندا للعمل ككاتب بمحل كتب، ولكنه قرر أن يكون قسيساً، وأن يدرس اللاهوت، وتقدم مرتين للالتحاق بجامعة اللاهوت، مرة في أمستردام ومرة في بروكسل، لكنه رُفض في المرتين. ولكن تتويجاً لمجهوداته في التحضير لدراسة الوعظ، قرر الذهاب إلى الفقراء ومساعدتهم بصورة مباشرة، وقد حصل على وظيفة كواعظ هاوٍ أو غير مؤهل بمدينة بوريناج، وهي مقاطعة فقيرة لمناجم الفحم تقع على الحدود بين فرنسا وبلجيكا، وقد كان العمل بالمناجم خطراً؛ حيث رقّ قلب فان جوخ لهؤلاء الناس وقرر مساعدتهم بكل السبل بقدر استطاعته، فقد شاركهم أسلوب حياتهم وخرج معهم في إضرابهم، وأعطاهم معظم ما يملك من ملابس، وحتى النقود التي كان يرسلها له أخوه تيو؛ حيث كان لا يزال يعمل لدى شركة جوبيل وشركاه، وفي عام 1879 فُصل مرة أخرى من وظيفته. بعدما حاول فان جوخ العمل كتاجر فن ومدرس وكاتب، أصبح مرة أخرى بدون عمل، ففي العام الذي يليه عاش فان جوخ كواعظ متجوّل يسير في الشوارع والطرقات مهما كانت حالة الجو، وعندما وصل إلى درجة من الجوع والمرض والاكتئاب عاد مرة أخرى لهوايته التي طالما أحبها وهي رسم الإسكتشات، ولكن هذه المرة في مقابل حصوله على الطعام، وبذلك فقد وصل إلى نقطة التحول الكبرى في حياته. ومع مرور الوقت قرر فان جوخ أن يلتحق بأكاديمية الفنون ببروكسل؛ حيث ساعده هناك المصور أنتون فان رابارد، حيث درس فن التشريح وطور من قدراته في الرسم عن طريق استنساخ لوحات مشهورة، ثم بعد ذلك في العام 1881 عاد إلى لاهاي ودرس التصوير على يد الفنان أنتون موف، ثم انتقل إلى مدينة نونين وأنتج أول عمل أساسي له، ثم انتقل في العام 1885 للعيش بمدينة أنتورب؛ حيث حاول التقرب للفنانين لبيع لوحاته، ثم التحق لفترة قصيرة بأكاديمية أنتورب، حيث عارض أسلوب التدريس القديم بها، وتركها بعد مرور أشهر قليلة. في فبراير/شباط عام 1886 ترك فان جوخ مدينة أنتورب وانتقل إلى باريس؛ حيث كان أخوه تيو في ذلك الوقت تاجر فن ناجحاً، وقد كانت العاصمة الفرنسية حينئذ مركزاً للفن في العالم، وأيضاً منبعاً لحركة الفن الجديد التي تسمى الانطباعية أو التأثيرية، ومن خلال أخيه تيو قابل فان جوخ فنانين من رواد المدرسة الانطباعية أمثال كلود مونيه، كاميل بيسارو، أوجست رينوار وبول جوجان. في العام 1887 أصبح فان جوخ متعباً من طريقة الحياة الصاخبة والسريعة بمدينة باريس؛ حيث قام بتصوير أكثر من مائتي لوحة في سنتين، فإكثاره من السهر ليلاً والقهوة باستمرار وشرب الكحوليات أدى إلى مرضه جسمانياً وتشويشه نفسياً. انتقل فان جوخ إلى الجنوب الفرنسي وتخيل أن هواءه النقي ورياحه العاصفة سوف تحسن من تفكيره وتشعل حواسه، وفي سبتمبر/أيلول 1888 قام بشراء أثاث للمنزل الأصفر من النقود التي أرسلها تيو إليه، وانتقل للعيش به؛ حيث بدأ تصوير لوحات عديدة لغرفة نومه. في ذلك الوقت وصل الفنان جوجان في أكتوبر/تشرين الأول وكان فان جوخ مشتاقاً لرفيق يصور معه ويناقشه الأفكار حول الفن، فقد تحقق حلمه في استوديو بالجنوب أخيراً وأصبح حقيقة، لكن تلك الشراكة الفنية لم تدُم طويلاً، حيث بدأت الخلافات بينهما بسبب طبائعهما الشخصية المختلفة وأيضاً سببت وجهة نظرهما المختلفة في فن التصوير مناقشات وأجواء غير مريحة. أمضى فان جوخ كل أوقات الصيف بالعمل المُجهد دون أن يهتم بنفسه، فقد كان يشرب كثيراً وكان عادةً يصور طوال الليل، وهكذا بدأ في الدخول إلى مرحلة المعاناة النفسية والجسدية، فبدأ يعاني من آلام بالمعدة ونوبات إغماء أخذت في التزايد تدريجياً. ونتيجة للاكتئاب الذي أصابه قام بقطع جزء من أذنه وخرج بها إلى الشارع وأعطاها لامرأة كان يعرفها، وفي الصباح أخذوه إلى المستشفى المحلي؛ حيث بقي فاقداً للوعي هناك لثلاثة أيام، وما هي إلا أيام قليلة حتى شُفِى وكتب لأخيه: "كنت آمل في الدخول ببساطة في نوبة مرض تنتاب الفنانين". وفي أبريل/نيسان 1889 دخل فان جوخ مستشفى الأمراض العقلية بمدينة سان ريمي ومكث به لعام، وبدأ يشعر بالهدوء، وصُرح له بالتصوير والرسم؛ حيث صور أشهر لوحاته "الليلة النجمية"؛ حيث صور فيها فان جوخ من خلف زجاج نافذة غرفته بالمصحة. وفي يوليو/تموز 1890 تفاقمت حدة تعاسته ووصلت إلى ذروتها، فذهب إلى الخارج متوجهاً إلى الحقول حاملاً بيديه مسدساً؛ حيث أطلق رصاصة على نفسه لتخترق صدره فأصابته بجرح قاطع ولكنها لم تقتله، وفي الصباح وصل أخوه تيو وأمضى الأخوان بضع ساعات بمفردهما قُبيل وفاة فان جوخ بين يدي تيو، وقد توفي صغيراً يناهز السابعة والثلاثين فقط. ومرت السنوات وحاول العديد من الأطباء اكتشاف معلومات أكثر عن مرض فان جوخ العقلي، فرأى بعض الأطباء المتخصصين أن مرضه هو مرض وراثي، أما البعض الآخر فأرجعوا تدهور حالته العقلية إلى شربه المفرط لمشروب الأفسنتين وهو مشروب كحولي رخيص الثمن مُنع تداوله في فرنسا بعد ذلك، لاكتشاف أنه يؤدي إلى تلف دماغي. لكن في الأخير يظل فان جوخ اسماً عظيماً في عالم الفن التشكيلي، فهو الفنان الذي استطاع أن يحظى باحترام وتقدير مؤرخي ونقّاد وعشّاق الفن التشكيلي، وتظل أعماله هي الأخرى سراً من أسرار الفنون التشكيلية التي من الممكن أن تكون رموزاً تدل على صراعه البائس ضد أمراضه العقلية. <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>